السيدات والسادة، الزملاء والزميلات، حراس الحياة في أرض الحياة والرباط.
الأخ الكبير د. خليل شقفة مدير عام التمريض
الأخت الفاضلة د. سها بعلوشة مدير تمريض م. الحلو
الأخ الفاضل د. سامح أبو عجوة مدير تمريض م. شهداء الأقصى
الاخوة الضيوف كلٍ باسمه ولقبه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعظم الله أجرنا وأجركم في كل قطرة دم سقطت، وفي كل ممرض وممرضة وقابلة ارتقوا وهم يحملون "شاشاً" وأملا" في غمرة اليأس.
نقف اليوم سويا في خندق علمي وعملي يثبت للعالم أجمع أن مهنة التمريض في غزة لم تكن يوماً مجرد "وظيفة"، بل هي عقيدة صمود. نحن اليوم لا نتحدث عن نظريات جافة في الكتب، بل نتحدث عن علمٍ وعمل عُمِّد بالدم، وخبراتٍ انتُزعت من بين الركام.
أيها الزملاء، لقد كسرتم كل القواعد الأكاديمية المعروفة. في كتب التمريض العالمية، يتحدثون عن "نسبة الممرض لعدد المرضى"، لكنكم في غزة جعلتم الممرض الواحد جيشاً أمام مئات الجرحى في الدقيقة الواحدة.
لم يعد التمريض مجرد علامات حيوية (Vital Signs) يقيسها، بل أصبح هو "علامة الحياة" الوحيدة والمميزة في مدن الموت. فأنتم من يقيس نبض غزة بأصابعه ويضع انامله الطاهرة على وجعها
أدرتم العنايات المركزة وغرف العمليات في عتمة الليل على اضواء الهواتف.
ابتكرتم من العدم بدائل لأدواتٍ منعها الحصار ودمّرها القصف.
لقد رأيناكم وأنتم ترفضون مغادرة المستشفيات تحت القصف، ورأيناكم تودعون زملائكم الشهداء ثم تعودون فوراً لإكمال تضميد الجراح. كم مرة عدتم إلى بيوتكم – إن بقيت لكم بيوت – تحملون على ثيابكم رائحة الموت، وفي قلوبكم إصراراً على العودة في الصباح لزرع الحياة.
أي قلبٍ هذا الذي تحملون؟ وأي إيمانٍ هذا الذي يسكن صدوركم؟ إن العالم يدرس التمريض في الجامعات، أما أنتم.. فأنتم الكتاب والقلم والكراس والمدرس والطالب..
يأتي اليوم العالمي للتمريض هذا العام ليعترف بـ "المدرسة الغزية" في التمريض؛ المدرسة التي علّمت العالم أن الممرض هو القائد الميداني الذي يقرر، وينفذ، ويداوي، ويواسي، في آن واحد.
فهو "الضحية والمنقذ" في ذات اللحظة. كم منكم ضمد جراح ، وهو لا يعلم أن بيته قد قُصف؟ كم منكم استقبل اهله او زميله في المهنة على سرير الإسعاف؟
نعلم ان ما يعتريكم أحيانا ليس تعب ولكنه استنزاف للروح ونقدر ذلك
.. يا ملائكة الأرض، ويا أنبياء الإنسانية في هذا الزمن الموحش.. ارفعوا رؤوسكم عالياً، فأنتم فخر غزة، وأنتم ذخر فلسطين. طوبى لتلك الأيادي المتعبة، وطوبى للقلوب التي ما زالت تنبض بالرحمة رغم كل هذا القسوة.
استمروا، فأنتم السند، وأنتم الضماد، وأنتم الحكاية التي سيرويها التاريخ من ممرات الشفاء من غرف العمليات من الخيام المنهكة ومن مراكز الايواء واقسام العناية المركزة عن "جيشٍ أبيض" هزم الموت بالحب والعزيمة والعلم. أيديكم التي تضمد الجراح هي أطهر ما نملك. وتعب عيونكم التي لم تنم هو السهر الذي يحرس بقاء شعبنا.
وإلى شهداء التمريض نقول.... أنتم لم ترحلوا، بل انتقلتم من مستشفيات الأرض الضيقة إلى سعة الجنان. مآزركم البيضاء هي اليوم أعلام عزٍ ترفرف فوق رؤوسنا. نعدكم أننا لن نترك الراية، ولن تبرد عزيمتنا، وسنظل نطبب جراح شعبنا حتى يندمل الوجع الأخير.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار..
الشفاء العاجل لجرحانا..
والتحية كل التحية لكم، يا جيش الإنسانية الأبيض.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

